الثلاثاء، يونيو 22، 2010

حافظ الأسد.... الغائب الحاضر .. بقلم / ريم عبد الغني


بقلم / ريم عبد الغني
 
كيف يمر العمر...
ها قد مرت عشر سنوات على رحيل الرئيس حافظ الأسد...ولم نشعر أبداً فيها أنه غاب.. ما زال هنا..  بإنجازاته...بأعماله العظيمة.. بما حققه على الصعيد الوطني والقومي والدولي ...
لا زلت ألمحه في عيون أبناء الأمة..باعتزاز يذكرون الأب والزعيم الذي قادها على مدى 30 عاماً.. شهدت سوريا فيها الأمن والاستقرار والازدهار ورست سفينتها دائماً على شاطئ أمان وسط العواصف والصراعات والحروب والحصار... كان الأسد يخرج بها دائماً منتصراً في أحلك وأصعب الظروف, وواصل ابنه وابن هذه الأمة البار الدكتور بشار الأسد ذات المسيرة ليتخطى الصعوبات، وها قد مرت-كما قلت بداية-عشر سنوات من البناء والتطور والازدهار على كافة الأصعدة.
 كانت المرة الأولى التي التقيتهما فيها -حافظ الأسد و دمشق- في ابريل نيسان 1970، هبطت طائرتنا على أرض مطار دمشق الدولي...و من  أعلى السلم حيث وقفت رأيته....  كان الفريق الجوي حافظ الأسد وزير الدفاع ينتظرني ، كأني أراه الان بقامته المشدودة وملابسه العسكرية الأنيقة زيارة لا أنساها... أزهر فيها ربيع دمشق وردة صداقة نادرة بيني وبين رجل لا يتكرر اسمه حافظ الأسد...
في قاعة التشريفات قدمت لي القهوة على الطريقة الشامية، كانت المرة الأولى التي أتذوقها فيها، ويبدو أنه لابد لمن يشرب قهوة دمشق من العودة اليها..ولم يخطر في بالي ذاك الصباح أنها ستصبح يوماً بيتي ووطني الثاني...  
 أقمت يومها في قصر الضيافة في حي أبو رمانة الدمشقي الجميل الذي كان -كما قيل لي -مقر سكن المشير عبد الحكيم عامر في فترة الوحدة السورية المصرية حتى يوم إعلان الانفصال.
أولى الوزير الشاب حافظ الأسد في تلك الزيارة اهتماماً خاصاً لضيفه القادم من عدن، وللدولة الفتية التي كانت قد نالت لتوها الاستقلال من الاحتلال البريطاني (30 تشرين الثاني 1967م) بعد مئة وتسعة وعشرين عاماً من الاحتلال...خلف البريطانيون بعدها جنوباً فقيراً ضعيفاً ولكنه يضج حماساً وارادة للتغيير ... شعبا وقيادة ...
كنت وزيراً للدفاع حينها وكانت المسؤولية جسيمة... كان علي أن أبدأ بعملية بناء القوات المسلحة في اليمن الديمقراطية الشعبية من الصفر ..وقررت أن أعتمد على الأشقاء وفي مقدمتهم آنذاك سوريا و الأصدقاء و في مقدمتهم الاتحاد السوفياتي اللذين سارعا إلى مد يد العون..
وتقاطرت البعثات السورية القادمة إلى عدن للمساهمة في بناء الجيش.. بعثة عسـكرية تعليمية برئاسـة اللواء إبراهيم يونـس لتأسـيـس الكلية الحربية وبعثة طبية برئاسة العقيد الدكتور البيطار، وبعثة قانونية برئاسـة اللواء زهير غزال الذي أشرف على تنظيم وزارة الدفاع والقوى والأسلحة والألوية في الجيش...و  الطيارين والضباط والمختصين...
كانت تلك بداية لعلاقتي الشخصية مع حافظ الأسد و كذلك بداية للعلاقات الرسمية بين اليمن الجنوبي و سوريا.. من يومها صارت  دمشق محطتي الأولى  التي أتعمد المرور فيها خلال رحلاتي وزياراتي خارج الوطن، و كنت أزوره في مكتبه الواسع في حي الروضة ونجلس تحت اللوحة النحاسية الكبيرة التي تصور معركة حطين وكان يعتز بها إذ تجسد الصمود والانتصار، وكذلك في منزله المتواضع بحي المالكي الذي لم يكن فيه مايميزه عن منزل أي مواطن دمشقي إلا هموم و قضايا  أمة كان يحملها في قلبه ويسهر لأجلها  ليلاً ونهاراً  إلى أن مات واقفاً وهو يناضل من أجلها .
كنت أحرص على القيام بهذه الزيارات التي جمعت الودية والرسمية لكي نتبادل الرأي في مرحلة دقيقة من الصراعات التي شهدتها المنطقة العربية والعالم ...كانت ذروة الحرب الباردة بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي، وكانت أيضاً ذروة التنسيق السياسي بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية السورية إقليمياً ودولياً، كانت مواقفنا متطابقة في المؤتمرات الإقليمية والدولية، وحتى إذا غبنا شخصياً كانت وفود بلدينا تلتقي وتتحدث بلغة واحدة لتترجم فكراً ومواقف واحدة.
مضت ستة عشر عاماً بعد الزيارة الأولى...وحدث ما حدث في جنوب اليمن...وغادرنا عدن و السلطة عام 1986م...
وروى لي الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل لاحقاً...أنه يوم 13 يناير 1986م و هو يوم اندلاع الاحداث الأليمة في عدن ، كان الجميل يزور الرئيس حافظ الأسد في مكتبه حين دخل عليه فجأة أحد كبار موظفيه ليسلمه رسالة قرأها وتوقف عن الحديث و علا التأثر وجهه, و قال بعد  لحظات من الصمت للرئيس الجميل "ما رأيك سيادة الرئيس أن نواصل لقاءنا في وقت آخر؟" يقول الجميل:"وكان له ما أراد, ودعني حتى الباب وغادرت مدهوشاً و قلقاً و انا أشك إنه حصل خطب جلل في سوريا..ولكنني لم أجد أي مظاهر غير عادية حول منطقة الرئاسة أو حول الإذاعة والتلفزيون قرب ساحة الأمويين كما درجت العادة في سلسلة الانقلابات العسكرية التي لم تتوقف الا بوصول الأسد للسلطة في نهاية 1970م، وكذلك لم أشاهد أي مظاهر عسكرية على طول الطريق إلى الحدود السورية اللبنانية.. وعندما وصلت بيروت عرفت ماذا جرى في عدن" و أردف الجميل في حديثه لي قبل سنوات في بيروت " قدرت حينها حب واحترام الرئيس حافظ الأسد لكم ولأصدقائه"...شهادة صادقة لا سيما و أنها تأتي بعد رحيل القائد الأسد رحمه الله و كلانا -أنا و الجميل -خارج السلطة. .
يتغير المشهد من خارج الوطن و السلطة و لا يبقى على حاله إلا القليل الأصيل..في يناير 1986م ، فتحت لي دمشق قلبها حين ضاقت بي بعض الساحات الأخرى التي طالما عهدتها مفروشة بالورود...وتوجهت الى دمشق دون تردد ..كنت اعرف انني هناك أستطيع أن اتنفس هواء نقياً..و أنعم بفيء صديق وفيّ لا يبيع أصدقائه بمال الدنيا...
وصلت ليلتها متعباً.. وتوجهت مباشرة الى منزلي الذي اختاره لي بنفسه -كما فهمت- في حي المزة فيلات غربية، استفقت صباح اليوم التالي على مفاجأة غير متوقعة ... ففي الساعة العاشرة من صباح أول يوم من قدومي دمشق كان حافظ الأسد أول من زارني في بيتي الجديد , حضر دون ضجيج ولا مواكب سيارات ولا دراجات نارية أو أي من مظاهر تحركات الرؤساء التي تقتضيها الإجراءات الأمنية والمراسم البروتوكولية .
كانت رسالة الرجل الخارق الذكاء والبالغ الدقة واضحة ...شعرت بأنه أعطاني الدنيا في تلك اللحظة...عانقته طويلاً..تحدثنا طويلاً...أكد لي يومها أني و الكثيرين الذين رافقوني من اليمن سنكون دائماً في ضيافة سوريا على الرحب و السعة وأنها ستبقى دائماً وطننا الثاني... وكم أثر بي مشهده يحتضن أولادي  ويسألهم باهتمام عن أحوالهم و دراستهم.
ودعته الى الباب حيث انتظره العشرات من الجيران الذين فاجأهم أن يجدوا الرئيس بينهم... راقبته وهو يبادلهم السلام و يصغي اليهم بصبر...كنت أعرف أنه يهتم  بكل صغير و كبير في سوريا .. و أنه لا يخلف وعداً...
 تركت تلك الزيارة في نفسي -ببعدها الإنساني والأخلاقي العظيم -أثراً عميقاً لا أنساه ماحييت...عنت لي الكثير ... كنت قد غادرت وطني للتو بعد أحداث مؤلمة وجاء وجهه ذلك الصباح  بلسماً للجراح ...أيقنت أنني احسنت الاختيار،  فاستقررت و عائلتي و مئات من أتوا معي في دمشق...  و كنت واثقاً أننا لن نشعر يوماً بالغربة في وطن كسوريا ..قيادةً وفيةً وشعباً قومياً مضيافاً.....
 وأشهد بعدـأربعة وعشرين عاماً- أن الزعيم الأسد كان صادقاً في وعده...فشملني وأسرتي ومن معي بكل الرعاية والعناية والحماية ، وتعاملت معي كل القيادات السورية الرسمية والشعبية- منذ مغادرتي عدن وحتى اليوم- وكأني لا زلت في السلطة،  و لم يف الزعيم الخالد بوعده في حياته فحسب، بل حتى بعد رحيله...فكما ربى أجيالاً من أبناء سوريا ربى حافظ الأسد أبناءه..على القيم والمبادئ السامية و القومية العربية والوفاء المطلق...لمستها يقيناً  حين جاء الدكتور بشار الأسد لزيارتي في بيتي في يعفور بدمشق...بتواضع جم ..دون مظاهر رسمية....كان يقود سيارته شخصياً و معه مرافق واحد ..جلسنا نتبادل الحديث بود  وكنت أرى الزمان يعيد ذاته ...هذا الشبل من ذاك الأسد... وها هو  يسير مقتفياً خطى الأسد الكبير على طريق التطوير والتحديث والتنمية والبناء والدفاع عن قضايا الأمة العربية واضعاً في مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني....
أجل ما زال حافظ الأسد حاضراً رغم رحيله .. كالنجوم التي يبقى ضوءها في السماء آلاف السنوات بعد انطفائها...
ولكننا نفتقده و نشتاقه... ونشكو اليه زمناً عربياً رديئاً من الصراعات والخلافات والإخفاقات والانقسامات ، زمناً تقف فيه تركيا من اسرائيل موقفاً أفضل من مواقف كثير من الدول العربية...نشكو إليه و إلى صلاح الدين و شهداء الوطن زمناً  تمادت فيه اسرائيل الى درجة مهينة...الى درجة الاعتداء السافر على عزل أتوا فوق سفن الحرية يحملون الطعام لجياع غزة بعد أربع سنوات من حصار ظالم لم يجرؤ أحد على كسره..
أبو باسل ... نذرت حياتك لأجل تحقيق حل عادل وشامل وقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس وعودة اللاجئين وتحرير الجولان ومزارع شبعا جنوب لبنان... و ما زال ابنك و شعبك يتابعان رسالتك بأمانة ...
يا صديقي...أجل أفتقدك كثيراً...لكن عزائي أني أراك فيهم كل يوم...

المدير العام..لمركز تريم للعمارة والتراث

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"