محمد الخامري
كنت في جلسة سمر مع بعض الإخوة اليمنيين المغتربين في الخارج، وكان الحديث يدور حول ماوصلنا إليه في الداخل من بؤس وفقر وجوع ومسغبة، وجرّنا الحديث إلى مايفعله بعض مسئولينا وكبراءنا في الداخل والخارج، وكيف أنهم يتفاخرون في البنيان والسيارات وحتى النساء، فنقل احدهم أن نجل احد المسئولين الكبار جدا صرف في ليلة واحدة فقط 34 ألف دولار كنقطة في احد المراقص الليلية..!!
هنا تذكرت قول الله جل وعلا في سورة الإسراء "وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا"، وتذكرت أن شيخي ناصر علي الصغير الذي حفظني القران الكريم رحمه الله كان يقول إن لها قراءتان، الأولى "أمرنا" بمعنى الأمر، والثانية "أمّرنا" بتشديد الميم وتأتي بمعنى الإمارة أو الحكم، وفي كلا الحالتين مُخيفة لأن التدمير قادم "لاسمح الله"..
- انتقلنا من الحديث عن ممارسات مسئولينا المجردة وربطناها بممارساتهم التي أفضت إلى الحراك الجنوبي أو الاحتقان السياسي الموجود في المحافظات الجنوبية، والذي أعيده شخصيا إلى المظالم التي بدأت بعد حرب صيف 94م وأخذت تكبر ككرة الثلج المتدحرجة بفعل بعض الممارسات التي قام بها ولايزال بعض المحسوبين على النظام من القادة العسكريين والمسئولين المدنيين دون خوف من الله أو رقابة السلطة الحاكمة، أو حياء من الناس أو رأفة بحالهم.
- رغم إقراري بالظلم الذي وقع ولا زال على بعضنا في المحافظات الجنوبية لكني أرى أيضا أن هناك ممارسات غير الظلم تتم حاليا والتي كان لها الأثر الكبير في إذكاء تلك الاحتقانات، مثل الاحتفال مثلا بيوم النصر العظيم (7/7) الذي يُصادف غدا "الأربعاء"، والذي يُمكن أن ينقلب في يوم ما إلى يوم شؤم يُضاهي في ذلك (13يناير 86م)، أو (يوم الأربعاء عند أهل البيضاء) إذ لايزال البعض وإن كان بنسبة أقل من السابق يحتفل بهذا اليوم من خلال بعض المقالات التذكيرية أو المناسباتية ومن خلال التهاني التي تنشر في بعض الصحف.
- سبق وقلنا إن الاحتفاء بهذا اليوم تحديدا وخصه بأي شيء استثنائي يُسبب حساسية لدى أبناء بعض المحافظات الجنوبية، والحقيقة ليس اليوم بذاته فهو يوم من أيام الله كغيره من أيام السنة، وإنما مايجر وراءه من همز ولمز وممارسات لا أخلاقية يُمارسها بعض ضعاف النفوس من الموظفين والمسئولين المحسوبين على بعض المحافظات الشمالية، الذين يُحاولون بشتى السبل إيغار الصدور بـ(عيد النصر وعلى عينك ياحاقد) وهؤلاء سفهاء الأحلام هم مستصغر الشرر..!!
- أيُ عيدٍ هذا الذي يُقتل فيه أبناء الشعب اليمني، وأي عيد هذا الذي تنزل فيه المصفحات والمدرعات إلى شوارع المدن الآمنة في الضالع والحبيلين ومديرية جحاف، وبعض مديريات عدن بحثا عن مطلوب أو التأكد من بلاغ كاذب، وأي عيد هذا الذي ترتفع فيه الجاهزية الأمنية والعسكرية، وأي عيد هذا الذي يأتي كالكابوس على بعض أبناء المحافظات الجنوبية خوفا من أي أحداث قد تنشب هنا أو هناك، وأي عيد هذا الذي يُرعب الأطفال (أحباب الله) فلا يدعهم يخرجون إلى الحارة للعب والالتقاء بأصدقاء طفولتهم خوفا من العسكري المدجج بالسلاح أو المصفحة الواقفة على ناصية الشارع، أو الطقم الذي يحوم وفوقه كتيبة من الأفراد المدججين.
- هناك بعض الأخبار التي تأتي من بعض المحافظات الجنوبية برفع الجاهزية الأمنية، والانتشار الأمني غدا الأربعاء في بعض المديريات، استعدادا ليوم 7/7 الذي أصبح يمثل كابوسا مخيفا للعديد من سكان تلك المحافظات المتوجسين خوفا وهلعا على منازلهم وأبنائهم من رصاصة طائشة أو عنجهية ضابط مخزن وصل إلى الساعة السليمانية، ويُريد فرض هيبة الدولة بقوة الآلي الكلاشنكوف أو المعدل الذي يحمله على الطقم، وماعرف أن هيبة الدولة تفرض بالقانون والمساواة والعدل.
- الرئيس علي عبدالله صالح رئيس اليمنيين جميعا من المهرة إلى صعده، وأستغرب شخصيا في تعامله مع هذه الجزئية تحديدا، لماذا وهو الخبير المجرب لكل الأهوال والأحوال التي مرت بها اليمن منذ الثورة والى اليوم، لماذا يسمح بالاحتفال بهذا اليوم، ولماذا يسمح برفع الجاهزية الأمنية، ولماذا يعتبر هذا اليوم استثنائيا..!!
- سيرد عليّ العديد من المطبلين بأنه يوم استثنائي بالفعل، وسأرد عليه بان هناك من أساء إلى هذا اليوم.. هناك من هتك حرمته، وخنق فرحته، وقتل بسمته، وانتزع منه نشوة النصر العظيم لتصبح نشوة السطوة والجبروت وطغيان فئة على فئة ومنطقة على منطقة وجناح على آخر، ولهجة على أخرى، وبالتالي لم يعد عيدا للنصر بل لتجديد السيطرة والعنجهية، والتذكير بأننا هنا الحاكمون شئتم أم أبيتم، أصبح كما قال أحد (العدنيين) لتذكيرنا بشعب الله المختار..!!
- هناك العديد من الوسائل التي من شأنها إخماد الاحتقان السياسي القائم في تلك المحافظات، بعيدا عن الانتشار العسكري ورفع الجاهزية الأمنية وتصويب البندقية وعسكرة الحياة المدنية، هناك فن الإصغاء لمطالب هؤلاء الناس، لماذا لا نجربه، فإذا كانت مطالبهم مشروعة مالمانع من تنفيذها وإعطاء كل ذي حق حقه، وان كانت غير مشروعة فقد أقاموا على أنفسهم الحجة أمام العالم اجمع، لماذا لا نقطع الطريق أمام تجار الحروب وسفاكي الدماء من محترفي السياسة المتسكعين في أوروبا وأذنابهم في الداخل.
- لماذا لاتعاد الأراضي والمنازل التي نهبت إلى أصحابها، لماذا لاتبادر الحكومة إلى الضغط ولو بالمفاوضات السرية الجادة مع بعض العسكريين والمسئولين والمشايخ والمتنفذين لإعادة مانهبوه او ماصُرف لهم "خطأ" من أراضٍ وعقارات وإعادتها لأصحابها الأصليين، وبالتالي ستهدأ الأمور بطبيعتها، لأن المظلوم الذي خرج إلى الشارع يسب ويسخط و(يعرعر) للوحدة عندما تعود إليه مظلمته فلن يجد مايُبرر خروجه إلى الشارع خوفا عليها ألا تذهب منه مرة أخرى على الأقل..
- لماذا لايعاد النظر في الأراضي التي تم توزيعها على المشايخ والأعيان والوجهاء والوزراء والمسئولين المدنيين والعسكريين، والبحث عن أصحابها الذين أممت عليهم أيام الحزب الاشتراكي الذي كان "في نظرهم" أرحم إذ صادر الممتلكات وتركها بُورا، وبالتالي أفضل ممن صادرها وأعطاها لشخص آخر يبني عليها القصور ويتصرف بها كيفما شاء وهي ملك للعائلة الفلانية أو الأسرة العلانية المعروفة.
- لا زلت اعتقد أن أنجع الحلول للقضاء على الاحتقانات والمواجهات شبه اليومية في المحافظات الجنوبية هو العدل والمساواة وفرض النظام والقانون على الجميع والبدء بحركة تصحيحية جادة وسريعة لسحب كل الأراضي التي وزعت أو صرفت أو وهبت أو منحت لأي شخصيات عسكرية أو مدنية، وإعادتها إلى أصحابها الأصليين، وتوزيع ماكان ملكا عاما على الشباب من أبناء المحافظة نفسها، وعمل نفس الشيء في بقية المحافظات التي وزعت أراضيها هبات وهدايا، أو عرض بعضها للبيع بالمزاد العلني واستغلال قيمتها في بناء المصانع والمنشآت التجارية والأسواق البدائية على بقية الأراضي لتشغيل الشباب وتحصينهم من الخروج إلى الشوارع لمواجهة الموت من قبل قوات الشغب أو الشرطة والأمن، أو الفرار إلى الحدود مع (الشقيقة) الكبرى لمواجهة الموت جوعا وعطشا أو على يد المجاهدين (لاسامحهم الله)..
ناشر ورئيس تحرير صحيفة إيلاف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"