محمد الخامري
بداية لابد من التوضيح أننا ننشد الأمن والطمأنينة وسكينة المجتمع والاقتصاد المزدهر، والعمل الدؤوب من اجل رفعة اليمن التي برفعتها وعزتها وشموخها ومكانتها الحقيقية بين الأمم، ستكون لأبنائها قيمة في كل مكان، عكس ماهو حاصل اليوم تماما، حيث تعد الجنسية اليمنية زبون دائم لدى قوائم البلاك ليست "القائمة السوداء" في معظم أنحاء العالم وأشهرها "الأمريكية والأوروبية" وغيرها..
- كنت أقرأ آخر مقالات الزميل السوداني الرائع "عبدالباقي الظافر" والذي كان عبارة عن رثاء لأستاذ الصحافة السودانية رحمه الله "سيد احمد خليفة" رئيس تحرير صحيفة الوطن السودانية، حيث بدأ مقاله بوصف لأحد المواقف المحفورة في الذاكرة للفقيد رحمه الله، حيث قال "مقديشو تحترق.. السفارات أغلقت أبوابها.. الجنرال سياد بري يتأهب للهرب.. لا كهرباء ولا ماء.. رائحة الموت في كل مكان.. الصحافي السوداني سيد أحمد خليفة يُصر على أداء مهامه الصحفية.. تحت ضوء (فانوس) وفى غرفة مهجورة.. كان الرجل يكتب الفصل الأخير في اغتيال دولة الصومال..!!
هنا تذكرتُ الرئيس علي عبدالله صالح وهو يقول في احد خطاباته وبنبرة حادة جدا إن اليمن بخير، متسائلا: أيهما أفضل.. مانحن فيه الآن من أمن وأمان وراحة واطمئنان أم حياة الصوماليين بعد الانقلاب الذي تم على الرئيس محمد سياد بري، هل عيشة الصوماليين الآن أفضل أم في عهد الديكتاتور سياد بري..!!
- ولاشك أن حالنا ولله الحمد أفضل من الصوماليين بمليون مرة، ومن يقول غير هذا فهو كاذب أفاق مجروح العدالة، لكني ومع تسليمي بأننا أفضل حالا من الصوماليين، اشعر بان الأخ الرئيس الذي حاول أن يفجعنا ويقرب لنا المشهد اليمني بعد رحيله "لاسمح الله" بالمشهد الصومالي، اشعر انه يتنبأ ربما عن قصد أو بدون قصد بنفس ماتنبأ به الجنرال سياد بري حين قال للوسطاء الأمريكان الذين حاولوا حل الخلاف الدائر بينه وبين الرئيس الإثيوبي منجستو هيلا مريام آنذاك، وذلك برحيل الاثنين عن الحكم، فقبل منجستو ورحل إلى زمبابوي، ورفض بري ترك الحكم قائلا "إذا ذهبتُ أنا، لن تجدون صوماليين ولكن ستجدون الصومال..!!"، وهذا ماحصل بالفعل على الساحة الصومالية، وتحديدا منذ مغادرته كرسي الحكم اثر انقلاب قبلي ضده، حيث توجد الصومال كأرض على الخارطة لكن بدون دولة ولا سيادة ولا امن ولا استقرار ولا صوماليين آمنين على أملاكهم وأعراضهم، فهل سيكون مصيرنا مثلهم لاقدر الله..!
- هناك العديد من المؤشرات التي تدل على أننا نسير في نفس الطريق، لاسيما المؤشرات الخاصة بالحكم وقيادة الدولة والمناصب العليا والممارسات غير السوية والعبثية التي كانت تدار بها الصومال قبل انقلاب يناير 1991م على الجنرال بري الذي غادرها إلى نيجيريا وتوفى فيها عام 1995م، حيث أصبح من المعروف والبديهي هنا في اليمن أننا نخلق الكرسي ونوجد المنصب للرجل المناسب "من النسب والقرابة"، وليس كما هو معروف في أنحاء العالم "وضع الرجل المناسب في المكان المناسب"، وهذه من المؤشرات المخيفة وغير المبشرة بالخير.
- في عهد برى تم إغلاق ميناء بربره الصومالي أمام أنشطة التصدير والاستيراد التجارية ومُنعت البنوك الصومالية من فتح الاعتمادات المصرفية لحساب تجار الشمال (هو من الجنوب)، ولم يمر وقت طويل حتى علم الناس أن هذا القرار اتخذه مقربين منه اتفقوا مع النظام الجيبوتي "الذي كان يُعاني خللا في جهازه المصرفي" لدعمه مقابل حصولهم على نسبة من الأرباح التي ستجنيها جيبوتي، وبالفعل اضطر الناس في المنطقة التي تعرف حالياً باسم جمهورية ارض الصومال إلى الاعتماد على ميناء ومصارف جيبوتي لإتمام عمليات التصدير والاستيراد وما يرافقها من أنشطة تجارية، ولدينا قضايا كبيرة قد لاتصل إلى هذا المستوى لكنها تقاربها..
- في عهده أيضا تلقت الصومال سفينة محملة بالكيروسين "الجاز" كدعم مقدم من إحدى دول الخليج "اعتقد أنها السعودية"، وبدلا من توزيعها على الشعب قام نجله باستغلالها شخصيا، حيث قام باستيراد شحنة كبيرة من الفوانيس التي تعمل بالجاز وأمر بقطع الكهرباء إلى أن باعها كاملة "الفوانيس والجاز"، ولدينا هبات ومنح ومعونات إنسانية قيل إنها كانت تباع إلى ماقبل إيقاف حرب صعده الأخيرة في أسواق قريبة من صعده وحرض وغيرها، وماخفي كان أعظم..!!
- كانت لدى محمد سياد بري معضلة مقلقة متمثلة في بعض الأقاليم التي كانت تطالب بالانفصال عن الصومال الأم، فاستخدم معها الحديد والنار وضربها بالقوات المسلحة وعسكرها واستباح أراضيها واعتقل وجهاءها وقادتها وأعدم العديد منهم، ولدينا مشكلة وإن كانت في طورها الأولي وهي بذور شقاق ونفاق هنا وهناك في بعض المحافظات الجنوبية، وبالتالي يجب علينا الاستفادة من تاريخ الديكتاتور بري وحكمه البائد الذي لايوجد صومالي واحد من أي تيار يُرحِّم عليه أو يذكره بخير رغم ماهم فيه من العذاب والتشرد والخوف والجزع وعدم وجود الدولة..!
- كان الجنرال محمد سياد بري رئيسا للدولة وقائدا للجيش وزعيما للحزب الحاكم ورئيسا للمحكمة العليا ورئيسا للجنة الأمن والدفاع الأعلى، كما كان له حق نقض أي قرار يصدر من مجالس الدولة المختلفة، واعتقد أن الحالة عندنا مشابهة حد التطابق باستثناء المحكمة العليا "القضاء الأعلى" الذي تركه رئيس الجمهورية مؤخرا وهي بادرة جيدة وبداية موفقة للتخلص من بقية المناصب التي تقيده ويُقيدها، ليتفرغ لرئاسة الدولة ورسم سياساتها وخطوطها العريضة بعيدا عن الانتماء الحزبي الضيق أو الانشغال بالأمور العسكرية وغيرها.
- من ضمن الأشياء التي يتم التوقف عندها عند ذكر حكم الديكتاتور الصومالي "سياد بري" هي الإثراء غير المشروع للعديد من المقربين منه، والسماح لهم بذلك دون أي عقاب أو حساب، وتغاضيه عن بعض الممارسات التي كانت تتم بعيدا عنه لكنها تصله (فيدعمم)، وعدم مساواته بين أبناء شعبه، حيث كان الصوماليين يطلقون على حكومته "حكومة مريحان" بحكم انتمائه إلى قبيلة مريحان وكان غالبية الضباط وقادة المعسكرات والألوية والمناطق العسكرية منها، وهنا لايختلف الأمر كثيرا..!!
- إذا صلحت النيات فلن نعدم الوسائل للنهوض باليمن إلى أوج العُلا، ولنجعل من مدينة اسطنبول التركية مثالا لنا، حيث تقلد عمدتها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وكانت ديونها قد بلغت ملياري دولار، فانتشلها وحولها إلى أرباح واستثمارات وبنمو بلغ 7% من السنة الأولى، طبعا هذا يعود إلى عدة عوامل أهمها الإرادة الفولاذية في الإصلاح، واليد النظيفة التي عُرف بها الرجل وقربه من الناس لاسيما العمال الذين رفع أجورهم واهتم برعايتهم صحيا واجتماعيا، وقد شهد له خصومه قبل أعدائه بنزاهته وأمانته ورفضه الصارم لكل المغريات المادية من الشركات الغربية التي كانت تأتيه على شكل عمولات كحال سابقيه.!
- اااااااه، لقد تعبت كثيرا من كثرة الكتابة والحذف والمقارنة بين الحالتين (الصومال قبل 91م واليمن 2010م)، وخروجا من هذا الموضوع الشائك، بالسلامة التي أؤثرها في كل كتاباتي، أريد أن أقول للأخ رئيس الجمهورية انه كما طالبنا في خطاباته بأن نقارن بين حال الصوماليين أيام الديكتاتور محمد سياد بري وحالهم هذه الأيام، أريده أن يتفرغ قليلا لقراءة تاريخ هذا الجنرال الصومالي العنيد، والوقوف عند القواسم الطبيعية المشتركة بينهما بفعل المنصب الرئاسي والعقلية العسكرية والبيئة القبلية القادمين منها، ومحاولة معرفة الإخفاقات التي عجّلت بزوال عرشه رغم القبضة الحديدية التي كان يحكم بها، والعمل على تجنبها وتلافيها، لأن السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتُعِظ به..
* ناشر ورئيس تحرير صحيفة ايلاف اليمنية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"