محمد الخامري*
فوجئت به يؤنبني بكلمات قاسية ويقول إن مقالاتي كلها تتهكم على اليمن وتشوه صورته في عيون الآخرين، وتضر بسمعته، وأنني بتلك المقالات أقدم اليمن لقمة سائغة لمن يتربص بها، وأنشر الخوف والذعر بين الناس على مستقبلهم، بل انني أساهم في طرد الاستثمارات من البلاد..!!
- أصغيت له بكل جوارحي لاسيما وهو في مقام والدي رحمه الله، وهو يواصل محاضرته العصماء عن حب الوطن والحفاظ عليه وكيفية تناوله في الكتابات الصحفية، ومن أي زاوية يتم انتقاد الفساد وكيفية المرور عليه، وألا نتوقف كثيرا عند مسألة بسيطة ونخلق من الحبة قبة، ونُشوِّه بلادنا.. و.. و..الخ.
- بعد أن انتهى من محاضرته حلفت له بأغلظ الأيمان وأقدسها باني أحب اليمن، واني عندما اكتب تلك المقالات أحس باني اجلد ذاتي، لكني لا املك إلا أن أكون كما الطبيب الجراح الذي يعمل عملية خطيرة لابنه أو أبيه أو عزيز عليه ولايملك إلا أن يمسك مشرطه ويشق جسم حبيبه ليستأصل الداء أو ليكتشفه على الأقل..
- إنني عندما اكتب عن الممارسات السيئة لبعض المسئولين سواء كانوا كبارا نافذين في السلطة أو من الموظفين الصغار فإنني لا اكتب هذا إلا بدافع حب اليمن، اكتب هذا لأطهرها من تلك الممارسات ومن أولئك المرتشين والفاسدين.
- إنني عندما أتناول أية جزئية بسيطة أو خلل في احد المرافق الهامة في البلاد فإنني اقصد بذلك تحجيمه بان أسلط الضوء عليه وأعريه ليكون عبرة لغيره، فيرتدع غيره عن الوصول إلى ما وصل إليه من أكل الأموال العامة والخاصة الحرام، وابتزاز الناس وتشويه صورة اليمنيين في نظر غيرهم من الشعوب العربية والأجنبية..
- إنني عندما أكتب عن ظاهرة سيئة فإنني أتابعها وأتابع تفاعل المسئولين عنها وإلى أين وصلت، وأرتاح إذا تمت معالجتها أو القضاء عليها أو اتخاذ أي إجراء مهما كان صغيرا، المهم أن كتابتي أثرت وأحدثت حركة في المكان المستهدف..
- قد يكون هناك ضحايا لكتاباتي لكنني "أفتي نفسي" باني سأضر شخصا فاسدا خير من أن ينتقل فساده وشرره ليشمل المواطنين الأبرياء إن كان في مرفق عام، أو المرضى الفقراء إن كان في مرفق صحي، أو الجيل القادم إن كان في السلك التربوي، لذلك أفضل فضحه والحديث حوله والإشارة إليه ووضعه تحت دائرة الضوء ليكون عبرة لغيره وليكون أضحية أتقرب بها إلى الله جل وعلى في سبيل حب هذا الوطن.
- أما عندما أتحدث عن النظام وممارساته سواءً رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو الوزراء أو المسئولين الكبار فإنني لا أتحدث عن أشخاص بعينهم لأنني وبكل بساطة ارتبط بعلاقات صداقة واحترام متبادل مع غالبيتهم وأتشرف بتلك الصداقة في الإطار الإنساني الشخصي، لكنني أنقد الممارسات، أتحدث عن منظومة متكاملة من الممارسات والمعالجات والقرارات التي يتم اتخاذها هنا أو هناك، وأبدي رأيي فيها، وانقدها نقدا بنّاءً من وجهة نظري التي تختلف حتما مع وجهة نظرهم لعدة أسباب منها المكان والزمان والمنصب والرؤية والخلفية التي يتم على ضوئها اتخاذ أي قرار أو إجراء مهما كان صغيرا أو كبيرا..
- واعتقد أنني وغيري قليل جدا من الصحفيين والكُتاب من يطرح المشكلة أو القضية ويطرح لها حلولا ومقترحات اعتقد من وجهة نظري أنها صائبة وربما تكون خاطئة من وجهة نظر غيري من القراء والمسئولين، لكن يكفيني شرف المحاولة وأنني رميت بحجر في المياه الراكدة وحركتها، وكما يقال فالموسِّد مش متكفل بالجنة.
- أعتقد أيضا أنني وصلتُ وبعد سبع سنوات من العمل الصحفي المتواصل داخل اليمن، إلى مرحلة فرز واضحة المعالم من خلال تجاوب بعض المسئولين مع ماأكتب وعرفتُ أين أضع رسائلي ولمن، فهناك العديد من الوزراء والمسئولين الذين يقرؤون ماأكتب ويناقشوني فيه ونصل إلى طريق مفتوح في شتى القضايا التي أطرحها للنقاش أو النقد البناء، وخلال هذه الفترة ربطت علاقات جيدة مع منظومة الحكم التي أحترمها وأقر لها بالقيادة والرئاسة لعدة اعتبارات دينية وأخلاقية، لكني لاأعتبرها مقدسة أو معصومة عن النقد والاختلاف، فكلنا بشر يخطئ ويصيب كما قال إمام دار الهجرة مالك بن انس رضي الله عنه "كل منا يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر" وأشار بيده إلى قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم.
- ليس بيني وبين أحد خصومة ولله الحمد، وكل ماطرحته خلال الثلاث السنوات الماضية "منذ إصدار صحيفة إيلاف يوليو 2007م" كان نقدا بناء أفضى إلى العديد من الإجراءات الإصلاحية في مختلف المرافق التي تناولتها، وإذا قسنا تلك الإجراءات بمقياس الربح والخسارة فإنني أجزم أن اليمن وسمعتها هي التي ربحت وخسر نفرٌ قليل من أولئك الفاسدين المفسدين الذين تمت إحالتهم للتحقيق أو النقل أو الرفس إلى الأعلى وفق النظرية السياسية الجديدة..!
- أمّا تخويف المستثمرين من المجيء للاستثمار في اليمن فهذه مسألة يجب التوقف عندها طويلا، والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو: من يطرد المستثمرين؟
- هل هو الفاسد المرتشي الذي لايُنجز في مكتبه ربع مايُنجزه في بيته، والذي قلب بيته قبلة ليلية للمراجعين وأصحاب الحاجات، بل وصمّم قصره العامر لهذا الغرض، فالدخول من باب والخروج من آخر، ولايلتقي مراجعان إلا فيما ندر، هل هذا هو الذي يطرد الاستثمار من البلاد أم كتاباتي التي تفضحه وتفضح أساليبه وممارساته.
- هل هو المسئول الذي يزور المستثمرين إلى أماكن إقامتهم ويقوم بابتزازهم والتفاوض معهم على نسبة الحماية وقيمة الدهفة وعمولة السمسرة وقيمة الموافقة والتوقيع، أم كتاباتي التي تحذر من التعامل مع مثل هؤلاء وتُشهِّر بهم..!
- هل هو الضابط الذي يُرافق المستثمر إلى كل مكان للتعريف به وتسهيل مهامه وإدخاله على المسئول الفلاني والمدير العلاني مقابل سمسرة مفضوحة يأخذها وهو مطأطئ الرأس، بينما يعطيها المستثمر وهو يزدريه ويحتقره ويحتقر كل من كان على شاكلته وربما احتقر كل من يلبس البدلة التي تشبه بدلته، هل هذا هو من يطرد المستثمرين أم أنا الذي أنادي بأن يكون للعسكري وللضابط هيبته وقيمته وان يحافظ على الزي الذي يلبسه والرُتب التي يحملها، وألا يجعلهن في موضع الإهانة أو السخرية..!
- "مالكم كيف تحكمون".. لماذا تغيّرت النظرة وأصبحتْ حتى النخبة تقرأ المقال بعين الغير، تقرأ المقال وأنت (الكاتب) مصنف لديها بأنك معارض أو موتور أو حاقد أو متحامل على الوضع، وبالتالي يتم تقييم مقالك بناء على تصنيفهم السابق لشخصك وليس العكس المفترض أن يتم تقييم شخصيتك من خلال كتاباتك..
- أستغرب كثيرا.. لماذا يقرؤك الناس أولاً ثم يقرؤون لك، لماذا لايكون العكس وهو الصحيح..، لماذا يُتعبون أنفسهم في تصنيفك أسبوعيا حسب اتجاه الريح، أو حسب نوعية القات الذي يخزنون به، وقد يكون حسب الجليس (المبحشم) واتجاهه الفكري والسياسي...!!
أخيرا وكنوع من التضامن غير المباشر مع الزميل المعتقل منذ السادس من رمضان عبدالإله حيدر شائع والذي كان يحاور ويجادل ويحلل ويبدي رأيه من خلال العديد من الفضائيات العربية والأجنبية ويُظهر وبشكل غير مباشر الديمقراطية اليمنية الفتية، بل ويروج لوجود حرية الرأي والرأي الآخر في بلادنا من خلال آرائه المخالفة لما تنشره السلطة والمصادمة لتعليقاتها على الأحداث، وبالتالي كانت تبهر المتابعين له في الخارج وترسل رسائل إيحائية غير مباشرة بما نتمتع به من حرية وديمقراطية..
أسألكم بالله من هو الذي شوه اليمن، هل هو عبدالإله أم الذين اعتقلوه من بين أطفاله في الشهر الحرام وبطريقة غير إنسانية وليس لها داعي على اعتبار انه يحمل القلم وليس معه بندقية، وكان يكفي طلبه بتلفون أو عسكري يبلغه بطلبه إلى أطرف جهاز امني، وهذه "الحركة الأمنية" غير المتوقعة وغير محسوبة النتائج قفزت باليمن إلى واجهة الأحداث، وأصبحت الخبر الرئيسي الأول في النشرات الإخبارية العربية والدولية، الأمر الذي أفزع المتابعين وساهم في تراجع العديد من السياح والمستثمرين الذين كانوا يفكرون بالمجيء لليمن لإلغاء تلك الخطوة..!
----------------------
ناشر ورئيس تحرير صحيفة إيلاف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"