محمد الخامري
لم أكن الوحيد الذي تصنم أو تخشب أمام شاشة التلفزيون طوال يومي الخميس والجمعة الماضيين، وكنت في هذا الفترة أشاهد المظاهرات والاعتصامات والنقل المباشر من مختلف الفضائيات العربية والدولية، وأبحث عن شيء خلف الكواليس، كنت عكس من يتجمع حولي وينفض على مدى الثلاثة الأيام، إذ يجلسون لكي يأخذوا الحدث الأكبر والاهم (هل رحل مبارك أم لا، وماذا قال)، لكني كنت ابحث في خبايا الصورة وزوايا الميدان الكبير الذي (ذرعته) طولا وعرضا، أقرأ اللافتات وأتفحص الوجوه وارقب الحركات والسكنات وأُعجب ببعض الأداء وأستاء من البعض الآخر.
مصر كانت وستظل مدرسة حتى في أحلك مراحلها وأتعس أيامها، الشباب المصري والجيش والأمن المصري سطروا أروع الصفحات في تلاحم الشعوب ورفضها للفساد وللأجسام الغريبة التي مهما تعايشوا معها إلا أنها مرفوضة وبما أن الفرصة قد أتت فلا بد من اقتناصها..
كنت أعجب عندما أرى النظام في الميدان، هناك من يصلي ومن يحرس ومن ينظف ومن يفتش ومن يرتب الحواجز، ومن يذهب لجلب الأكل (الكنتاكي المصري) وهناك لجان شعبية خاصة تم تشكيلها من قبل الشباب أنفسهم خاصة بمكافحة النشل والسرقة، وأخرى بإعادة المسروقات وفرزها ومعرفة أصحابها، وهناك الفرق الفنية والكهربائيين والخطاطين والرسامين والهتيفة وكل شاب يجيد حرفة أو مهنة أو شغله أو له ميول معين يذهب إلى حيث اللجنة التي تتطابق وتتماشى مع ميوله، وهكذا شكلوا وحدة متجانسة استطاعت أن تصمد أمام التخويف بالطائرات التي كانت تخترق حاجز الصوت وتحلق على علو منخفض، واستطاعوا أن يتغلبوا على الدبابات والمصفحات التي ناموا تحتها وأمامها وفوقها..
كانت هناك حدة من جانب الأمن بداية أيام الثورة ولمدة لاتزيد عن أربعة أيام تقريبا، إلا أنهم عندما رأوا أن الموضوع جد، وان الشباب صامد، عندما وجدوا الشاب المصري يمشي باتجاه سيارة الإطفاء التي ترشه بالماء الحار وهو مفتوح الصدر ويصيح بأعلى صوته احرقني، خليني أموت ولا أشوف ابني يموت ومااقدرش اجيبله الحليب، كانت هذه الكلمات تفعل فعل السحر في العسكر الذين بدؤوا بالتهاون ومصاحبة الشباب إلى تاريخ 8 فبراير حتى أعلن عدد منهم الانضمام رسميا إلى الشباب وخلع البزة العسكرية، بل والإعلان أنهم سيموتون دفاعا عن مصر مش دفاعا عن النظام.
الاستفادة الكبرى والمغزى الذي أريد الوصول إليه أن الرئيس علي عبدالله صالح وكما قلت في العديد من المجالس والنشرات الإخبارية لقناة المجد، ولا أتذكر هل كتبتها في مقال سابق أم لا، تخدمه الأقدار بحيث أصبح يبدأ من حيث ينتهي حسني مبارك، وأصبح ينظر إليه كمدرسة واقعية وليست افتراضية، تحيط به الأزمة من كل جانب، ويتحدد مصيره ساعة بساعة، وعلي عبدالله صالح ينظر إليه ويتصل به ليشجعه ويشد من أزره ويرفع معنوياته، لكنه كان ينظر إلى مكامن القوة ويستفيد مننها ومكامن الضعف والخلل ويحاول تجنبها، فخرج بفكرة التنازلات الجهنمية، لكنه ركن عليها ولم يعمل أي خطوات لاحقة لها إلى أن سقط حسني وأصبح غير مبارك، وضاع المعلم والمدرسة.
هذه الاستفادة، هي منحة من الله جل وعلا، وقد يكون إملاءً واختبارا له، هل سيعمل على تلافي كل ماوقع فيه حسني وزين العابدين ويبدأ بإصلاح نفسه أولا ثم من حوله، لأن بصلاحه كحاكم صلاح للأمة، إذا صلح الرأس صلح الجسد، وإذا صلح الراعي صلحت الرعية، والناس على دين ملوكها، إن هم لفافين فاسدين كانت الرعية افسد وأضل سبيلا، وان كان عفيفا صادقا كانت كما يحب أن ينظر إليها..
لكن الذكاء الذي ربما خان الرئيس علي عبدالله صالح هو انه لم يعمل حسابا لعقول شعبه، وحسب انه يدرس في مدرسة حسني مبارك لحاله، والشعب اليمني يدرس خلف المدرسة، وماعرف أن الشعب أيضا يدرس في نفس المدرسة بس في الشعبة الثانية!، ويرى كيف يتم التعامل مع الأحداث من قبل الشباب المصري لحظة بلحظة، ويعرف كيف يتعامل مع البلطجية الذين أرسلهم حسني وزبانيته على الجمال والخيول، بل أني أفطنه إلى شيء اكبر من هذا وربما لم يخطر له على بال، وهو أن هناك من يستفيد من أحداث تونس ومصر غيره وغير الشعب.
إنهم المسئولين والحاشية وحملة المباخر الذين يعتبرون أنفسهم أذكى من الرئيس وأذكى من الشعب لأنهم يتلونون بتلون الموكيت، ويدخلون بين الشجرة واللحاء، ويرعون مع الراعي ويأكلون مع الذئب..
إنهم أركان النظام ووزرائه وكبار القوم، رئيس الوزراء احمد نظيف، ووزير الداخلية حبيب العادلي، وزير الإسكان أحمد المغربي، ووزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد، ووزير السياحة، ووزير الإعلام انس الفقي، وصفوت الشريف، واحمد عز، وغيرهم من الأسماء الكبيرة التي كانت تهز مصر بل وبعض الدول العربية نظرا لنفوذها التجاري ومراكزها المالية، أو لدهائها في العلاقات الدولية، واليوم أين هم؟.
لقد تم منعوا من السفر وتم التحفظ على أموالهم وأرصدتهم وعلى ممتلكات أسرهم وأقاربهم سواء داخل مصر أو خارجها، وهم الآن ممتهنون، حتى الذي لم يُعتقل منهم فهو تحت الإقامة الجبرية، يتخلى عنه كل الناس كالجرب الذي يجتنبه الناس اتقاء العدوى.
وزير الداخلية حبيب العادلي الذي كان يهز مصر كلها، أقيل من منصبه وجمدت حساباته المصرفية ومُنع من السفر عقب الثورة الشعبية، وأحيل إلى نيابة أمن الدولة مؤخرا بتهمة تفجير كنيسة الإسكندرية، والاعتداء على الشباب في ميدان التحرير.
لقد خدم النظام واخلص له أيما إخلاص ولو كان وجه هذه الخدمة والاخلاص لله سبحانه وتعالى كان بيدخل الجنة (غطوس)، لقد فجّر دور العبادة وسحل العلماء وقتل واعتقل وسجن وعذّب واتهم وزور وفعل كل شيء مقزز، وكله لصالح النظام الذي ضحى به مع أول شرارة الثورة الشعبية، لتتواصل فضائحه بعد ذلك لأنه إذا طاح الثور كثرت السكاكين، وهاهو ذليلا مُهانا معتقلا كالمجرمين.
احمد عز أمين عام الحزب الحاكم الذي كان ملء السمع والبصر، سكنه الدائم كان في الجناح الرئاسي لفندق فور سيزن الجيزة، واستقبالاته في الفرع الثاني (نيل بلازا) في الجناح الرئاسي أيضا، أصبح اليوم ما أن يتخلص من فضيحة إلا وتخرج له ألف فضيحة، حتى على مستوى قروض ميسرة كان يأخذها من بعض البنوك أصبحت محط شكاوى لأنه كان يأخذها بعنجهيته وبطشه ومنصبه، واليوم لو باع كل مايملك لن يستطيع أن يوفي قيمة ماهو مطالب به، لاسيما وان أرصدته قد جمدت ولم يبق له شيء، وهو كان ملك الحديد والصلب في الشرق الأوسط كما يقال..
"يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء"
نموذج احمد عز تسلل إلى مؤسساتنا ووجدنا محافظين ورؤساء مجالس إدارات ووزراء وساسة يتصرفون بالوطن كأنه ملكية خاصة، يمنحون خيراتها لمن يشاءون ويقطعون رغيف الخبز عمن يشاؤون وكأنهم المتصرف المطلق، هؤلاء هم أهم الأسباب التي ستؤدي إلى سقوط النظام واستشراء الفوضى لاقدر الله..
من ضمن الأشياء التي تعلمها الأخ الرئيس وعرف تأثيرها ودورها الحقيقي في إثارة الشارع وتوجيهه، هي قناة الجزيرة التي كان لها دور كبير في إسقاط مبارك يتجاوز 50%، وربما 30% في إسقاط زين العابدين، تنبه لها وحاول إبعادها عن اليمن بالاتصالات الهاتفية واستثمار العلاقات الخاصة بالأمير القطري لكن آخر المحنش للحنش كما يقال، فقد قوبل بنفس الأسلوب الذي كان يتعامل به هو مع القطريين..
قناة الجزيرة ورغم تحفظي الشديد على حياديتها وكتبت هذا في احد مقالاتي السابقة، إلا أنها استطاعت وبفضل المهنية العالية أن تسيطر على الجموع المحتشدة في ميدان التحرير وغيرها من مدن مصر الأخرى خلال الثلاثة أسابيع الماضية، بل وأصبحت تشكل ردات الفعل بشكل سريع لكل ما قام به النظام المصري في محاولات للتهدئة وتجاوز الأزمة، وتوجه الشارع بالإيحاء، والعجيب أن تلك الحشود تتبع أطروحات الجزيرة وتبني عليها قناعاتها وردات فعلها..
هنيئا لمصر خروجها من عنق الزجاجة، وأسأل الله أن يُصلح الراعي ويهدي الرعية، وان يحفظنا من الفتن ماظهر منها وما بطن، وان يحفظ علينا أمننا ووحدتنا.
----------------------
ناشر ورئيس تحرير صحيفة إيلاف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"