الأحد، يناير 15، 2012

جامعة الدول العربية ومقبرة السيادة الوطنية

السبئي نت : وجبة من الدسم المهدرج من مشتقات النفط خرجت بعد طول انتظار من ثلاجة اسمها «جامعة الدول العربية»، هي في حالها الحقيقي أشبه بحكاية أهل الكهف الذين دخلوه في صباح مضت عليه أعوام طويلة، وخرجوا بعدها إلى النور ليجدوا أن الصورة التي غادروها في محيطهم النظري تبدلت، فالغابة التي كانت تظلل مدخل الكهف أصبحت مسطحات من الكثبان الرملية، وهكذا بقية التفاصيل، أما جوهر أزمتهم فهو لغة ارتباطهم بالمحيط، فلا لغة تواصل، ولا رابط لهم بالعالم الجديد، وهو ما جعل خيارهم الوحيد العودة إلى الكهف.
جامعة الدول العربية قرأنا اسمها على أنه اسم فاعل، أي أنها ستجمع شمل العرب الذي مزقه المستعمر، ولأن ذلك رغبة الشعب العربي كافة، فقد نسينا أنها ليست سوى خلاصة رؤية الغرب ونتاجه لمستقبل الوطن العربي بعد تغيرات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأول ملامح هذه التغيرات التحرر من الاحتلال، ولا يمكن لعاقل التسليم أن المستعمر يمكن أن يمنح الحرية الكاملة لمستعمراته.
نعم أخطأنا القراءة، وأصاب أعداؤنا في جعلها جامعة تعلم أتباعها في المراحل الأولى كيف يكونوا حلفاء مخلصين، ليرتقوا فيما بعد لمرحلة العملاء الطيّعين، وينهوا مرحلتها الأخيرة كأدوات تنوب عنهم في إدارة العمل الاستعماري.
ولأن الموضوع لا يتوجه للتذكير بتاريخ الجامعة، وإنما تسليط الضوء على واقعها، وهي في المرحلة الأخيرة من رسالتها، فمن المفيد النظر إلى حالة الأمة العربية عبر العقود المنصرمة على ولادتها، وهي عقود طغى على صباها وشبابها نزعة عارمة للتحرر من الاستعمار بمنظور قومي كان رائده حزب البعث الاشتراكي بما وصل إليه من حضور فاعل في كثير من الأقطار العربية الوثابة نحو التحرر، وقد قدر لي أن أكون على تماس مع كثير من قوى التحرر لبعض الأقطار العربية، ومنها أرتيريا وموريتانيا وجنوب اليمن التي أشهرت مكاتبها في دمشق كما هو حال أكثر قوى التحرر الفلسطينية اليوم، وكل ذلك ما أكد حقيقة أن سورية هي قلب العروبة النابض، ولأنه زمن اليقظة القومية كان من عمالقته القائد الراحل جمال عبد الناصر ثم القائد الراحل حافظ الأسد، وإن كانت الحصرية المؤسساتية من حق حزب البعث العربي الاشتراكي، فحصرية القادة لا تنغلق، لأن ذلك يضع الفكر القومي في إطار الظاهرة العابرة مع الأسماء، ولما كان للفكر القومي أن يكون طوق النجاة المرتجى لوضعنا العربي الرديء، قاعة اجتماعات الجامعة العربية التي كانت تتزين بشكري القوتلي وأمين الحافظ وهواري بومدين وأحمد حسن البكر وجمال عبد الناصر، وغيرهم عششت في كراسيهم جرذان النفط، وأصبح أصحاب تلك الكراسي المرتفعة يبحثون عن مقعد شاغر من أجل اكتمال النصاب، فسورية خارج الباب، والجزائر مهددة ما بين الخارج والداخل، والعراق مشغول بتنظيف مضافته القسرية من  الأمريكيين وأتباعهم ومن مخلفاتهم ليت أسوأها اليورانيوم المنضب، بل الانقسام الداخلي على اختلافات خلقية ليس لأحد خيار حرّ بها.
 وحتى لا أنكر على العراق تحفزه ليستعيد دوره في ريادية العمل القومي العربي، ها هو يتقدم للعب دور هو الأكفأ له، وهو الاضطلاع بواجب المساعدة لعودة الاستقرار، والحفاظ على بنية الدولة السورية التي يستهدفها من احتل تلك الكراسي المرتفعة في ذلك الصرح المنخفض، السودان مشغول  بإعادة ترتيب ما بقي من دولته، وكذلك حال اليمن الذي ليس أفضل حالاً من مصر عبد الناصر، أليست هي دول ما كانت تدعي الممانعة، والمواجهة، والصمود، وغير ذلك من المسميات التي كانت تثير الرعشة في بلاط اتباع الغرب.
 ولأننا نقارن ما بين الأمس واليوم نجد من الصعب علينا أن نضبط عقولنا أمام معادلة كانت أقرب إلى محاكاة الرؤية القومية، فحيث ينظر جمال عبد الناصر تتجه أنظار معظم القادة العرب، وكل شعوبهم، ولأن كرسيه احتله حمد، فحيث ينظر تتجه أنظار من عششوا في الكراسي، والباقون في نظراتهم خوف التالي، ألسنا بحق في الزمن الرديء؟؟.
يذكر التاريخ أن جحافل المتطوعين العرب، وأكثرهم من دول الصمود تلك تسابقوا للدفاع عن عروبة فلسطين، وأولهم سورية، والفلسطينيون يذكرون جيش الإنقاذ، ويذكرون أن الجولان اغتصب دفاعاً عن فلسطين، وما تلا ذلك وسبقه، من مواجهات مع العدو الصهيوني بما كلف من دماء هو من أجل فلسطين، ويذكر المصريون مشاركة الجيش العربي السوري في الدفاع عن مصر في مواجهة عدون 1956 الثلاثي، وكان جول جمال أحد قرابينها، ويذكر العراقيون قوات حطين السورية عام 1964 للدفاع عن وحدة تراب العراق، ولأن لبنان وسورية لهما خصوصية قدرية أعطتهما حالة الدولتين لشعب واحد، فلا منة للجيش العربي السوري في المساعدة على إعادة بناء دولة لبنان التاريخي المهددة، كما لا منة لجيشهم الوطني، وهو يساهم اليوم برد ذئاب الغزو لسورية عبر أراضيه، ولاينسى أهل الكويت دور الجيش العربي السوري في الأزمة مع العراق في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
لا أقول ذلك استعطافاً مما تقدم لحال سورية اليوم، فهي أقوى من أمس، بل أقوى مما كانت عليه قبل عام، فعلى جانب القدرة العسكرية لا تحتاج الذاكرة إلى عناء للتيقن من الخبرة العملية القتالية المكتسبة عبر جولات متكررة مع العدو الإسرائيلي، ولا أملك من المعطيات ما يزيد عن المناورات الأخيرة بمختلف الصنوف التكتيكية والاستراتيجية بالأسلحة المناسبة للمتطلبات المتوقعة، وإن كان للآخرين خرائطهم للتلويح والتهديد صوب سورية، فلسورية خرائطها أيضاً، محمل عليها أعظم احتياط قتالي، وهو شعب يزداد التصاقاً بوطنه كلما اشتدت التحديات حولها، وهو قادر على الصبر والجوع عندما يدرك أن لقمة عيشه هي أحد أسلحة أعدائه.
قبل أن أنتهي من الموضوع الذي بدأت، اهتزت دمشق ومعها سورية على وقع الانفجارين في شارعين من شوارع دمشق، وهو ما فهمه السوريون أنه انتقال للمرحلة التالية، كما في التجربة العراقية، وهو الانتقال لزج الاحتياطي الأمريكي الصهيوني، وهو سلاح القاعدة، بما يؤكد ما قاله كثير من المحللين أن القاعدة ليست صنيعة أمريكا فقط، وإنما سلاحه الاستراتيجي للعمل في العالم الإسلامي عندما تقتضي الضرورة، ويؤكد ما قلته سابقاً إنه اتفاق استراتيجي تم التعاقد حوله في زمن أول إدارة للمحافظين الجدد.
إلياس غصن إبراهيم 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"